في 14 أذار من العام 2005 عندما غطت جموع اللبنانيين وسط العاصمة مطالبة بالدولة الطبيعية كبديل عن الدولة المزرعة، خافت القيادات الآذارية آنذاك على مكاسبها الضيقة، فهرولت إلى الإتفاق الرباعي مع حزب الله، فطعنت إنتفاضة الإستقلال، وخانت آمال الناس وأحلامها. لا بل ساهمت بقوة بإطلاق موجة من التناغم الطائفي الآذاري لخداع سواد الناس، فيما راحت، في ظل إنقسام طائفي مشغول، إلى تمتين نظام المحاصصة الطائفي الغنائمي المقيت، فكان التساكن في الحكومات مع” حزب الله” وأيتام النظام السوري بعدما نجح اللبنانيون في إجلاء إحتلاله العسكري.
لقد تم تضييع فرصة ترسيخ الإستقلال الثاني وقيام الدولة القادرة، المرجع لأول مرة منذ نهاية الحرب الأهلية في العام 1990. والذين ذهبوا في هذا الإتجاه ظن بعضهم أن القصة ممكن أن تكون غب الطلب، فتبين لهم أنها وجبة إجبارية، جرى تذكيرهم بها بعنف في ذلك اليوم من أيار عندما إجتاحت ميليشيا حزب الله بيروت، فأهانت العاصمة وأهلها، لتفرض الدوحة والثلث المعطل الذي طرد في مرحلة لاحقة الأغلبية الآذارية من السلطة وفرض حكومة “القمصان السود” برئاسة ميقاتي وكل المسار اللاحق. كل الحكومات لم تشكل إلاّ بموافقة الحزب وكذلك الرئاسة: سليمان وعون… ولقيام الدويلة وتغولها، تم فرض الشغور مرة بعد أخرى والفراغ الحكومي بشكل واسع، وظهر عجز كل القوى التي تناسلت من 14 أذار، فقبلت بالحصص المتروكة لها من جانب قوة الأمر الواقع: حزب الله الذي حل مكان الإحتلال السوري، ليشكل ما يشبه حالة إحتلال أخرى تحكم البلد بالفتاوى وتغطي الدور الإيراني. غطوا السلاح اللاشرعي فغطى هذا السلاح فساد الأطراف البرلمانية والحكومية!
شكلت ثورة “17 تشرين” الرد الفعلي من اللبنانيين الذين تجاوزوا الإنقسامات الطائفية والمناطقية، وكشفوا عن وعي وطني متجذر، رغم السنوات الطويلة من الإنقسام الطائفي المذهبي المشغول على أيدي قوى مافياوية ميليشياوية وبنكرجية محترفة في اللصوصية. لكن الحالة التشرينية الهائلة لم تنجح في فرز مناخ يبلور الأدوات الكفاحية للبنانيين. وأدى غياب مثل هذا المناخ إلى إستمرار التحالف المافياوي في عملية النهب، ومنع أي خطوة تفرمل الإنهيار وتضع حداً للإذلال اللاحق باللبنانيين الذين تم السطو على ودائعهم من جهة وباتوا بأعداد كبيرة خارج العمل بعد إقفال واسع للمؤسسات نتيجة إفلاس البنوك.
طبيعي ألا تقوم قوى الفساد واللصوصية والإرتهان بأي خطوة لتغيير المسار، فالوطن الحقيقي لهذه القوى جيوبها وحساباتها في الخارج. وتباعاً إبتدع “لص المركزي” وسائل تشغل الناس. حوّل الكُثر إلى صيارفة من خلال تلك المنصة التي راكم عبرها كبار اللصوص ثرواتهم، وكذلك من خلال التعاميم السارية حتى اليوم التي منحت المودع شهرياً بعض الفتات من عرق جبينه، وإستمر إلى اليوم نهج رسخ ما أسمي اللولار(…) أي أن دولاراتكم قيمتها 15 ألف ليرة للدولار فيما الواقع وتكلفة المعيشة على دولار قيمته 90 ألفاً، حتى أن الحكومة الحالية، وعلى رأسها القاضي الآتي من رئاسة محكمة العدل الدولية، تجنبت المساس بهذا الوضع الخطير، لكنها تجاوزته في بدعة “الفجوة” المالية ولحمتها وسداها إستمرار تدفيع عموم اللبنانيين الموجوعين ثمن لصوصية التحالف المافياوي!
إنتخابات العام 2022 وجهت صفعة مدوية للمنظومة السياسية، عندما نجح التصويت العقابي في كسر أغلبية حزب الله ومنع الأكثرية عن معارضة نظام الموالاة، شركاء الحزب وقوى الممانعة في الحكومات التي عجلت الإنهيار العام نتيجة لصوصية يتحسر الراحل مادوف أبرز لصوص العصر عن إكتشافها. لكن وصول 12 نائباً من لوائح قوى التغيير إلى البرلمان لم يحمل إمكانية التجانس. وصلوا من مواقع تشرينية متفاوتة، وفي بعض الأحيان نتيجة تسلق مشغول معروف أنه يتم خلال الثورات. لم تنجح تجربة قيام كتلة نيابية تغييرية كان يمكن لها أن تكون بيضة قبان، ولعل تلك الجلسة لهؤلاء النواب لتسمية مرشح رئاسي وإنتهت بسلة أسماء، الحدث الكاشف. فكثير من النقاش آنذاك لم يكن يمت بصلة لتقديم الشخصية التي يحمل طرح إسمها جانباً من وجع الناس ..بل كانت الخلفية عموماً من هو الإسم الذي يرضي هذه الفئة الطائفية ومن هو الإسم الذي لا يزعج تلك الفئة.
وبقية النتائج معروفة، فنحو 400 ألف لبناني إقترعوا للتغيير أحبطوا، وقسم كبير منهم اليوم على مقاعد المتفرجين، والكثير منهم يشعر بالمرارة وهم يستمعون إلى التحليلات السياسية المسطحة، كما الإحصاءات المركبة عن كيفية تمكن القوى الطائفية من تقاسم أصواتهم في الإنتخابات الآتية، وبالمقابل يفتقدون للخطاب البديل. الخطاب المفترض أن يضع على الطاولة الوجع الحقيقي ويفضح الجهات المسؤولة عما يعيشه الناس. تخيلوا أنه بعد هزيمة حرب الإسناد وكل الإنكسار الذي يعيشه المواطن اللبناني يستمر التحالف المدمر إياه بسوق البلد نحو الإندثار، نعم الإندثار، ليس من الإحتلال وما يرتبه من أعباء فوق القدرة على الإحتمال وحسب، وليس من السلاح اللاشرعي الذي سقط في كل الإمتحانات، بل كذلك من الأداء الرسمي حكومة وبرلمان، إذ يجهدون لبقاء القديم على قدمه عبر بدعة “الفجوة” المالية. نتنياهو يضع اللبنانيين تحت وطأة العقاب الجماعي كل يوم، ومثله تفعل السلطة التي تضرب بالعدالة والحقوق عرض الحائط والأولوية تعويم الفساد والفاسدين!
في هذا التوقيت يفتقد الناس الصوت البديل، المشروع البديل، يفتقد الناس بلورة تحالف تشريني حقيقي حول رؤية برنامجية وقيادة صلبة تمتد جذورها نحو جهات لبنان الأربع، عبر مئات الشجعان الخييرين من كل الطوائف والمناطق. من وجوه وفعاليات مدينية وريفية يمكن لإطلالتها أن توجه الرسالة المطلوبة للناس الموجوعة، وأكثر منهم للذين ينشدون العدالة وقيام الدولة الحقيقية المرجع لكل اللبنانيين، بما فيهم عناصر حزب الله المطلوب حماية حيواتهم من الموت المجاني الذي يطاردهم كل اليوم للقول بالفم الملآن تعالوا لنجدد إطلاق مسار التغيير سوية، تعالوا نتوحد في واحدة من أهم محطاته، وهي الإنتخابات العامة لأن مستقبل البلد رهن مواجهة كل المنظومة السياسية، وما سبق وحدث يمكن أن يكون اليوم أفعل إستفادة من دروس ما عاشه البلد من تجارب!
الآن الآن، أنتم أسماء إختُبِرت ووجوه معروفة مطالبون بالإقدام فلا تخذلوا مواطنيكم. وخارج البديل المعبر عن أحلام الناس وآمالها، وتطلعات الفئات الشابة المبدعة والمُبعدة التي تُدفع إلى هجرة قسرية،.. كلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.







