ردّاً على كلمة الشيخ نعيم قاسم الأخيرة:
في كلمته الأخيرة، خرج الأمين العام لحزب إيران الشيخ نعيم قاسم ليُكرِّس من جديد تلك المعادلة التي إعتدنا سماعها منذ أكثر من عقدين: “من يرفض سلاحنا هو عميل، ومن يناقشنا في القرار الوطني هو ضعيف”، أما نحن، فالقدرة التي لا تُقهر ولا يُمكن لأحد أن يمنعها”..
من هنا نبدأ في تفكيك هذه العقلية التي تصادر القرار الوطني وتُجهِض مبدأ الشراكة، وتحكم على كل مخالف لها بالخيانة أو التبعية.
1- لا أحد يمنع قدرة الدفاع، ولكن من يُحاسب ومن يقرر الهجوم..؟
يقول الشيخ قاسم: “لا أحد في العالم يستطيع أن يمنع قدرة الدفاع، وهذا أمر محسوم”.
جميل، ولكن السؤال الجوهري ليس في قدرة الدفاع، بل في:
من يملك قرار إستخدام هذه القدرة..؟
أ- من يُحدِّد معنى العدوان..؟
ب- من يُحاسب إذا تسبَّبت هذه القدرة في جرّ البلد إلى دمار..؟
في كل الدول التي تحترم نفسها، الدولة هي وحدها صاحبة القرار السيادي في الحرب والسلم.
أما عندنا، فتنظيم عقائدي مُسلَّح يُقرِّر متى يُطلق الصواريخ، ويطالب الدولة بتبرير الصمت..!
2- من الذي قدَّم التنازلات فعلاً..؟
يتَّهم الشيخ قاسم الوفد المدني بالمشاركة في لجنة الميكانيزم وإعتبرها “سقطة” و “تنازل مجاني” للعدو..
لكن الحقيقة أن القرار الرسمي اللبناني بالمشاركة في اللجنة لم يكن خضوعًا لإسرائيل، بل محاولة لحماية لبنان من حرب مفتوحة، هي تحديدًا الحرب التي يجرّه إليها الحزب عند كل تصعيد ميداني.
3- ثم من الذي قدَّم التنازلات..؟
أ- أليس الحزب من دخل حكومات المحاصصة مقابل صمت الجميع عن سلاحه..؟
ب- أليس هو من أبرم “تفاهمات” غير مُعلنة مع قوى إقليمية ودولية على حساب الداخل..؟
ج- أليس هو من غطّى الفساد وساهم في تعطيل القضاء وآخرها تحقيقات إنفجار المرفأ..؟
فليتوقف عن إعطاء دروس في التنازلات، إذ إن لبنان كله يعيش تحت تنازل إجباري إسمه: “غضّ الطرف عن السلاح مقابل الهدوء”.
4- المقاومة لا تعني الفوضى..
ولا الإستفراد بقرار الحرب..
القول بأن “إسرائيل تريدكم تحت النار”، لا يُعطي الحق لحزب إيران بتحديد مصير اللبنانيين جميعًا..
5- متى كانت “المقاومة” تعني إحتكار قرار الحرب والسلم..؟ ومتى كانت “الوطنية” مرهونة بمدى الإنصياع لخطاب التخوين..؟
أ- أليس من المعيب أن يُصنَّف كل من يطالب بتنظيم السلاح على أنه “ثاقب للسفينة”..؟
ب- أليس من المنطق أن نطالب بمرجعية واحدة للسلاح والقرار هي الدولة اللبنانية..؟
ما يطرحه حزب إيران ليس “مقاومة”، بل مشروع دولة داخل دولة، تتسلَّح بالشعارات فيما تُمسك برقاب الدولة والمؤسسات والناس.
6- من يُهدِّد الوحدة..؟
من يتوحَّد على حساب من..؟
قال قاسم: “عندما نتوحد، لا يستطيعون فعل شيء”.
لكن التوحّد الحقيقي لا يكون بفرض سلاح فوق رؤوس الناس، ولا بوصم المعترض بالعمالة، بل بالتلاقي على دولة مدنية، فيها:
أ- جيش واحد.
ب- قانون واحد.
ج- قرار واحد.
د- دستور واحد
أما التوحّد المفروض من طرف واحد، فهو ديكتاتورية مُقنَّعة بلباس المقاومة.
7- خطاب التخوين لا يصنع وطنًا..
والسلاح ليس قدَراً أزلياً..
أ- أسطورة في التضحية” أم أسطورة في إحتكار القرار..؟
حين يُقال: “سندافع ولن نستسلم..
وسنكون أسطورة في التضحية”، يبدو الخطاب وكأنه من ساحة حرب خارجية، لا من دولة تسعى لإعادة بناء مؤسساتها المنهارة..
لكن السؤال الأكبر:
تضحيات من..؟
وبأسم من..؟
هل قرّر الشعب اللبناني، بمختلف طوائفه ومكوناته، أنه لا يريد سلاح الدولة، بل “أسطورة” جديدة تُكرِّس الحرب الدائمة..؟
لبنان لا يحتاج بطولات أحادية بل إلى مشروع إنقاذ وطني جامع.
8- صون أمانة الشهداء لا يعني قمع الأحياء..
“لن نتراجع”، “لن نستسلم”، “سنهتم فقط بمن يسمعنا”…
كلها عبارات تؤكد أن حزب إيران لا يعترف إلا بمن يتّفق معه..
لكن أمانة الشهداء التي يتحدَّثُ عنها الشيخ قاسم، لا تكون بتحويل المقاومة إلى إمتياز سياسي أبدي، بل بإعادة الأمانة إلى الدولة، ووقف إستخدام السلاح كأداة قهر داخلي.
9- خدم إسرائيل..؟
التخوين أصبح سياسة مُمنهجة..!
من أكثر ما يُثير القلق في هذا الخطاب هو توصيف كل مخالف بأنه “خادم لإسرائيل”..
هذه العبارة وحدها كافية لإشعال فتنة داخلية، وإسكات النقاش السياسي، وتحويل كل إختلاف إلى خيانة.
أ- من يطالب بوضع السلاح تحت سلطة الدولة، ليس خائناً.
ب- من يريد دولة مدنية، ليس عميلاً.
ج- من يرفض الإذعان، ليس تابعاً.
بل هو لبناني يرفض تحويل وطنه إلى رهينة في لعبة المحاور.
10- لا إستراتيجية دفاعية بوجود سلاح خارجها..
الحديث عن “إستراتيجية دفاعية” لا يُقنع أحداً ما دام الحزب يحتفظ بسلاحه كخط أحمر غير قابل للنقاش، ويستعمله سياسياً قبل أن يستعمله عسكرياً..
الإستراتيجية الدفاعية تُبنى بشروط:
أ- سلاح تحت إمرة الدولة.
ب- قرار عسكري مركزي.
ج- إلتزام كامل بمرجعية الحكومة ومؤسساتها.
د- تطبيق الدستور بحذافيره على الجميع.
غير ذلك، فكل حديث عن إستراتيجية هو مُجرَّد غطاء لواقع قائم بقوَّة الأمر الواقع.
11- لا جنوب الليطاني..؟
إذاً لا إحترام للقرار 1701..!
حين يقول الشيخ قاسم: “لا يوجد شيئ إسمه بعد جنوب الليطاني”، فهو يُلغي فعلياً القرار الدولي 1701، الذي وقَّع عليه لبنان رسمياً وبموافقته أو بعلمه..
هذا التصريح:
أ- يُضعف موقف لبنان الدبلوماسي.
ب- يُبرِّر الإعتداءات الإسرائيلية.
ج- يُظهر الدولة عاجزة أمام تنظيم يتصرف كسلطة فوق الشرعية.
فهل يُعقل أن يكون مُكوِّن في الحكم هو نفسه من يُعلن إسقاط إلتزام الدولة بقراراتها الدولية..؟
12- أميركا لا علاقة لها..؟ حقاً..؟
القول إن “أميركا لا علاقة لها بالسلاح”، يتجاهل تماماً أن لبنان دولة منكوبة إقتصاديًا، بحاجة إلى ثقة المجتمع الدولي.
ولن تكون هناك مساعدات ولا إعمار، طالما أن القرار السيادي مُعلَّق لصالح حزب مُسلَّح، يُنفِّذ أجندة خارجية..
فلتسألوا اللبنانيين في الجنوب و البقاع و بيروت:
أ- هل يريدون الكهرباء أم الصواريخ..؟
ب- هل يريدون مستشفيات أم مكاتب التعبئة العقائدية..؟
13- إختزال لبنان بـ”السلاح والمحرومين” لم يعد مقبولاً..
حين يقول قاسم: “هم يريدون نزع السلاح وتجفيف المال والخدمات”، فليتذكر أن:
أ- من سرق المليارات من الدولة لم يكن الشعب.
ب- من أعاق خطة التعافي لم يكن صندوق النقد الدولي.
ج- من صادر الجنوب سياسياً وإقتصادياً هو “الثنائي”، لا إسرائيل..
لبنان لم يعد يحتمل هذه المظلومية المصطنعة..
من يريد أن يُقدِّم خدمات، فليُقدِّمها من خلال الدولة، لا عبر “دويلة ضمن الدولة”.
14- هل نزع السلاح يحلّ الوضع..؟
نعم، هو البداية الحتمية..!
في نهاية كلمته، يسأل قاسم بتحدٍّ: “هل تظنون أن نزع السلاح هو الحل..؟”
والجواب: نعم. هو أول الطريق نحو قيام دولة حقيقية.
دولة تحكم الجميع وتحاسب الجميع، لا تستثني أحداً، ولا تساوي بين جيش رسمي وميليشيا عقائدية..
المقاومة لا تعني الوصاية..
والشعب لا يُهان إلى الأبد..
المعادلة اليوم باتت واضحة:
أ- إما دولة تَحكم بقانون واحد وسلاح واحد.
ب- أو عصابات تتنازع الشرعية وتُجهِض الإستقرار.
حزب إيران أخطأ في الحساب، وتمادى في فرض وصايته..
لكن لبنان ليس مزرعة، والمواطن ليس أداة في معركة الآخرين..
الشعب اللبناني يستحق أن يعيش، لا أن “يتحوَّل إلى أسطورة” في كتاب جماعة مسلَّحة لا تُمثِّله.









