بعد أكثر من خمس سنوات على الانهيار المالي غير المسبوق في لبنان،تعود الدولة اليوم لتقرّ بما كان واضحًا منذ البداية: هناك فجوة مالية هائلة في النظام المصرفي، ولا بدّ من قانون ينظّم الخسائر. من حيث المبدأ،هذا الاعتراف متأخر لكنه ضروري. غير أن الضرورة، وحدها، لا تصنع العدالة، لاسيما إذا كان القانون يعاقب المواطنين أولا ويقنن التهرب من العدالة.
فقانون الفجوة المالية، بصيغته المطروحة، لا يضع لبنان على مسار تعافٍ حقيقي بقدر ما يُقنّن الخسائر ويعيد توزيعها على حساب الحلقة الأضعف في النظام، أي المودعين. بدل أن يكون القانون أداة مساءلة وإصلاح، يتحوّل إلى إطار قانوني يخفّف المسؤولية عن الفاعلين الأساسيين في الانهيار، ويحمّل تبعاته لمن وثقوا بالنظام المصرفي بعد بروباغندا دامت لعقود عن متانته تحت كذبة “الليرة بخير”!
بلد فريد بعجائبه القانونية
في أي تجربة دولية مماثلة، لا مفر من قانون يحدّد بوضوح من يتحمّل الخسائر. وفي جميع عمليات إعادة هيكلة المصارف الجدية، هناك تسلسل واضح لتحمّل الخسائر:
- أولًا، المساهمون الذين يُشطب رأس مالهم بالكامل.
- ثانيًا، إدارات المصارف وأصحابها، مع محاسبة قانونية عند ثبوت النية الجرمية.
- ثالثًا، حملة السندات والديون الثانوية.
- رابعًا، وفقط بعدما تقدم، الودائع الكبيرة، ومنها حصرا ما يتجاوز سقف حماية واضح.
- خامسًا، الدولة إذا كانت تملك قدرة مالية.
وأخيرًا فقط، صغار ومتوسطي المودعين، الذين يُفترض أن يكونوا آخر من يُمسّ.
هذا الترتيب ليس تفصيلًا تقنيًا، بل حجر الأساس في حماية الثقةبالنظام المالي، انطلاقًا من مبدأ بسيط: الوديعة ليست استثمارًا. وتكفي مقارنة سريعة مع تجارب دولية مماثلة لفهم حجم الخلل في المقاربة اللبنانية. ففي قبرص عام 2013، أُقفلت مصارف، وشُطبت رساميل المساهمين، وحُمي صغار المودعين، ما سمح باستعادة الثقة تدريجيًا رغم قساوة الإجراءات. وفي آيسلندا عام 2008، انهار النظام المصرفي بالكامل، لكن الودائع المحلية حُصّنت، فكانت الثقة عنصر التعافي الأساسي. أما في لبنان، فيجري الحفاظ على النظام شكليًا، بينما تُستنزف الودائع ببطء، وتُمحى الثقة التي لا يمكن لأي نظام مالي أن يقوم من دونها.
جميع التجارب الناجحة تثبت أن أي إصلاح فعلي يبدأ بتمييز واضح بين سوء الإدارة، والإهمال، والممارسات المخالفة للقانون. غياب هذا التمييز ليس عجزًا تقنيًا، بل خيار سياسي.
ورغم استخدامه لغة “توزيع عادل للخسائر”، إلا أن الآليات المقترحة في القانون تؤدي عمليًا إلى جعل المودعين المموّل الأساسي لعملية الإنقاذ، عبر تقسيط الودائع، أو شطب جزء منها، أو تحويلها إلى أدوات طويلةا لأجل.
في المقابل، لا يفرض القانون شطبًا حاسمًا لرساميل المصارف، ولا يقدّم مسارًا واضحًا لمحاسبة الإدارات، فيما تبقى مسؤولية الدولة عامة وغير مُلزِمة.
اقتصاديًا، لا تنحصر كلفة القانون في ما يُقتطع من الودائع، بل في ما يُلغيه من إمكانية التعافي. فبحسب بيانات مصرف لبنان، تراجعت محفظة القروض للقطاع الخاص من أكثر من 55 مليار دولار في عام 2018 إلى أقل من 9 مليارات دولار في السنوات الأخيرة، أي بانكماش يفوق 80%. هذا الانهيار في الائتمان يعكس شللًا شبه كامل في وظيفة المصارف الأساسية: تمويل الاقتصاد. ومع تقنين المساس بالودائع وتشريع خسارتها، لا يُعاد تكوين قاعدة ودائع جديدة، ولا تُستعاد القدرة على الإقراض، ما يعني عمليًا تثبيت اقتصاد بلا تمويل، عاجز عن توليد نمو، أو خلق فرص عمل، أو جذب استثمارات، حتى لو استقرت المؤشرات النقدية شكليًا. وهذا ما يفسّر استمرار انكماش الاقتصاد الذي لم يسجّل أي مسار نمو مستدام منذ 2019 رغم تعدد الخطط والإجراءات النقدية الموقتة.
تمويل من المستقبل
تقدَّر كلفة ضمان الودائع حتى سقف 100 ألف دولار بما يتراوح بين 18 و22 مليار دولار، وفق تقديرات متقاطعة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مبنية على توزيع الودائع في لبنان، حيث يشكّل صغار المودعين نحو 80% من عدد الحسابات لكن أقل من ربع القيمة الإجمالية للودائع. غير أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في حجم المبلغ بحد ذاته، بل في غياب أي مصدر تمويل واضح ومُلزِم. فالمصارف لا تريد تحمّل هذه الكلفة، ومصرف لبنان يعاني ميزانية سلبية، فيما الدولة مفلسة ولا تملك فوائض أو قدرة على الاقتراض. وفي ظل هذا الواقع، يفتح القانون الباب عمليًا أمام أخطر الخيارات، أي التصرف بأصول المستقبل، من خلال تسييل احتياطات استراتيجية مثل ذهب مصرف لبنان أو رهن إيرادات وأملاك عامة، بما يعني تحميل الأجيال المقبلة كلفة إنقاذ نظام مالي فشل في حماية ودائع الحاضر. فبدل أن يكون القانون مسارًا لاستعادة الثقة، يتحوّل إلى آلية لمقايضة حقوق المودعين اليوم بثروات الدولة غدًا، من دون ضمانات ولا إطار زمني واضح.
جريمة للتهرب من الجريمة
إن الجريمة الأولى التي يرسخها القانون هي في تحويل المودع إلى مستثمر قسرًا، من دون أن يكون قد اختار المخاطر. وكل الحديث عن معدلات الفائدة الكبيرة التي كانت تدفع على أنها “جني للأرباح” هي ساقطة قانونيًا لا سيما ان مثلث الدولة مصرف لبنان والمصارف عملوا جميعًا على بث أجواء كاذبة عن متانة النظام النقدي وعلى رأس هذه الحيلة الجهتان المخولتان بحماية النقد والودائع والمصدر الرسمي للمعلومات حول الوضع النقدي وهما مصرف لبنان ووزارة المال التي عمد وزراؤها المتعاقبون على الكذب بحقيقة الوضع المالي.
أما الجريمة الثانية، فهي في حماية المصارف كمؤسسات، رغم ضبطها متلبسة بالشراكة في الجريمة. فجميع المصارف شاركت بحملات إعلانية كاذبة وبثت ثقة وهمية حول قوتها ومتانتها، وأخفت المخاطر الحقيقية رغم درايتها. وفي الوقت نفسه، استفاد أصحابها، وكبار المساهمين رغم علمهم بالوضع النقدي الصعب، من هندسات مالية مشبوهة ساهمت في ضياع الودائع، أي أنهم شركاء في الجريمة مع سابق إصرار وتصميم وأرباح خيالية أيضًا، هذا من دون التطرق إلى ما بعد الانهيار وتهريب مليارات الدولارات إلى خارج لبنان من دون حسيب او رقيب أو عدالة.
أما الجريمة الثالثة فهي في إخراج الدولة، وهي المقترض الأكبر والمتخلّف عن السداد، من دائرة المساءلة الفعلية. وهذا يشمل الدولة كشخصية قانونية، واركانها كأفراد متواطئين جرميين بالفعل، ومستفيدين ومنتفعين معروفين بأسمائهم وأحزابهم ومناصبهم، أكانوا ممن أخفوا أو تغاضوا عن جرائم علموا بها او استفادوا منها مباشرة.
تصحيح المسار
تصحيح المسار لا يحتاج شعارات، بل قرارات واضحة. فقانون أكثر عدالة يفترض أن يبدأ بشطب كامل لرساميل المصارف، ودمج أو تصفية المؤسسات غير القابلة للحياة، ومحاسبة شخصية حيث يثبت التقصير أو التواطؤ. كما يتطلب تحديد سقف حماية واقعي للودائع، مع آلية استرداد فعالة للرساميل المهربة والإثراء غير المشروع، قبل اي ربط لأصول الدولة وإيراداتها المستقبلية بمسار استردادها، إلى جانب إنشاء هيئة مستقلة لإدارة إعادة الهيكلة، بعيدة عن الحسابات السياسية.
من دون هذه الركائز، يبقى القانون قادرًا على تنظيم الأرقام فقط بدل معالجة الأزمة.
وهنا الخطر لا يقتصر فقط على سرقة المودعين، وما جرى سابقًا فقط، بل على تكريس نموذج مصرفي بلا ثقة. فالنظام المالي لا يقوم على الأرقام وحدها، وإذا شُرعت الخسارة من دون عدالة، فإن الثقة، وهي رأس المال الأهم، ستضيع إلى أجل غير منظور مما يعنيه ذلك الى استحالة قيامةالنظام المصرفي من جديد، واستكمال اقتصاد الكاش ومخاطره من غياب الرقابة وتبييض الأموال والتأخر التقني والتهرب الضريبي، وبالتالي استحالة النهوض الاقتصادي من جديد.
قانون الفجوة المالية، بصيغته الحالية، قد ينظّم الخسائر حسابيًا، لكنه يفشل في بناء أساس أخلاقي واقتصادي لتعافٍ حقيقي. والإصلاح لا يبدأ من تقاسم الخسارة فحسب، بل من تحميلها لمن صنعها.

