مع قرار نقابة أصحاب المطاعم في لبنان اعتماد تسمية “القهوة اللبنانية” بدلًا من “القهوة التركية” على قوائم الطعام وفي المواد الترويجية والإعلانية، لأن التسمية “تعبر عن الاعتزاز بالهوية الوطنية والتراث اللبناني”، دار النقاش حول أصل القهوة، فهل هي فعلًا لبنانية؟
هذا النقاش ليس جديدًا، وكغيره من النقاشات التي تتعلق بأصول الأطباق والمشروبات، فإن التداخل التاريخي والثقافي الكبير في المنطقة يجعل من شبه المستحيل التأكد من أصل أي طبق تقريبًا. لكن للقهوة قصة مختلفة، لاسيما أنها كانت مادة أبحاث أكاديمية طويلة أظهرت أن القهوة وطريقة إعدادها سبقت الدول الحديثة والحدود والهويات القومية بقرون طويلة.
لبنان Vs تركيا
يُعدّ لبنان البلد الأكثر استهلاكًا للقهوة على مستوى الأفراد في العالم العربي ودول الشرق الأوسط، وبفارق كبير عن أقرب المنافسين. إذ يستهلك اللبناني ما متوسطه 1.6 كوب من القهوة يوميًا ليكون في المرتبة 16 عالميًا بحسب إحصاء لموقع Visual Capitalist، بينما يستهلك المواطن التركي ما متوسطه 0.3 كوب فقط.
قهوة “تركية” أو “إسبريسو”، بهال أو بلا هال، اللبنانيون هم شاربو قهوة من الطراز الأول. لذلك، في الاستهلاك، لبنان يتفوق عن جدارة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن القهوة التركية لبنانية الأصل.
من قهوة إلى COFFEE
إذا أردنا البحث عن كلمة “قهوة” ومنشئها، والتي اشتُقت منها معظم أسماء القهوة عالميًا، فانقسم المؤرخون حول أصل التسمية. منهم من قال بعربيتها وأنها مشتقة من “قَهِيَ” أي “ترك الطعام” لأنها تعد قاطعة للشهية، وأصحاب هذه النظرية يعتقدون أن التبديل من الـ”واو” في “قهوة” إلى الـ”فاء” في coffee مردّه إلى أن V هو المرادف اللفظي للواو في التركية، على غرار “شاورما” و”çevirme”. أما النظرية المقابلة فتقول إن أصلها يعود إلى منطقة Kaffa في إثيوبيا، والبعض يراها منطقية أكثر، إذ إن نبتة Coffea arabica نشأ بريًا في مرتفعات إثيوبيا، وذلك طبعًا قبل أن تأخذ اسمها العلمي.
وبحسب مصادر تاريخية عدة، فإن القهوة وصلت إلى منطقة الشرق الأوسط من مسارين متلازمين: الأول من اليمن عبر الحجاز وصولًا إلى بلاد الشام، والثاني من إثيوبيا إلى مصر عبر مجرى النيل. والمتفق عليه أنها لم تصل إلى تركيا إلا في القرن السادس عشر، ومنها انتقلت إلى أوروبا، وأن ثقافة المقاهي انتشرت في الدول العربية، وتحديدًا في سوريا والأردن والمدن اللبنانية الساحلية، قبل أن تصل القهوة إلى إسطنبول بكثير، لكن ما أضافته تركيا إلى القهوة ليس تفصيلًا، إذ إنها عمّمت ونشرت ثقافة المقاهي بشكل كبير، لاسيما مع ترسيخ بروتوكول تقديم القهوة في بلاط السلطان العثماني. ومن هناك تعرّف الأوروبيون إلى القهوة، فغلبت التسمية “التركية” على طريقة الإعداد التي نعرفها حاليًا.
التحميص والغلي
ما نسمّيه اليوم قهوة لبنانية أو تركية يُقصد به غالبًا طريقة التحضير، أي طحن البن ناعمًا جدًا، غليه في الماء في ركوة، ثم تقديمه من دون فلترة بحيث تبقى الرواسب في الفنجان. وعادة، أصحاب نظرية “تركية القهوة” يقولون إنه وإن كانت القهوة غير تركية، فإن طريقة التحضير هذه هي ابتكار تركي. غير أن أول توثيق مؤكد لتحميص البن وطحنه وشربه كمشروب ساخن يعود إلى القرن الخامس عشر في اليمن، وهذا ما يؤكده رالف هاتّوكس في كتابه Coffee and Coffeehouses: The Origins of a Social Beverage in the Medieval Near East، مؤكدًا أن القهوة دخلت التجارة العالمية انطلاقًا من ميناء المخا، ومن هذا الميناء تحديدًا جاء اسم Mocha. كذلك تؤكد مراجع علمية أن الغلي المباشر للبن كان معروفًا في اليمن وبلاد المماليك قبل العثمانيين.
ماذا عن لبنان؟
اعتاد لبنان على أخذ ما تيسر من محيطه وتطويره وتحسينه، وهذا ينطبق على معظم الأطباق اللبنانية الحالية، التي لها جذور مماثلة في الدول المجاورة، من الحمص والشاورما إلى الكنافة وحلاوة الجبن. أما في القهوة، وإن كان هناك فارق طفيف في طريقة إعدادها، فإن الطريقة نفسها استمرت في إطار تقليد مشرقي أقدم من الدول الحديثة.
الفروق بين “التركية” و”اللبنانية” اليوم تتعلق غالبًا بدرجة التحميص (فاتح او داكن) ، أو بإضافة الهيل، أو بطريقة رفع القشوة او تركها، لا بأصل مختلف للطريقة. حتى نسب الماء إلى البن، وعدد مرات الغليان، وتوقيت رفع الركوة عن النار، هي اختلافات ذوقية قد تختلف في البيت نفسه. لكن المعتاد أن اللبنانيين يفضلون خلط الفاتح والداكن بدل التحميص المتوسط، بينما يغلب على دول الخليج البن الفاتح، وعلى تركيا البن الداكن.
القهوة التركية إذاً، لا تركية ولا لبنانية. وُلدت في اليمن أو إثيوبيا، لكنها تربّت وترعرعت في ربوعنا واشتهرت بالاسم التركي. في النهاية، سمِّها ما شئت، لكن تعلّم أن تعدّها جيدًا.

