يمر لبنان بأزمة مركَّبة تتجاوز مجرَّد مشكلات الإدارة الإقتصادية أو السياسية، إنها أزمة هوية وطنية، منظومة حاكمة، وطريقة تعامل مع الواقع تخلَّت عن الدولة لصالح دويلات داخل الدولة..
ولأن الأزمة عميقة، فإن الحل يجب أن يكون أعمق:
من مقاومة عقائدية إلى مقاومة وطنية، ومن تكرار أخطاء الماضي إلى إعادة تأسيس الدولة كمؤسسة تحترم المواطن وتطبِّق القانون..
1- لبنان يريد مقاومة وطنية..
لا عقائدية..
لبنان اليوم يقف عند مفترق حقيقي بين مقاومة وطنية حيَّة تستعيد فيها الدولة دورها ومسؤوليتها تجاه المواطنة، وبين منظومة سلاح غير خاضعة للشرعية، فوضى مسلَّحة تستثمر المفاهيم الوطنية أو العقائدية لخدمة أجندات لا ناقة للمواطن فيها ولا هي شاة..
من غير المنطقي أن يستمر الحديث عن مقاومة في سياق سلاح غير خاضع لمؤسسة الدولة ورقابتها، فهذا لا يقود إلى بناء دولة قوية، بل إلى دويلات موازية تُسيطر على الأراضي والقوانين والحقوق..
المقاومة الوطنية الحقيقية تتجسَّدُ في:
أ- إحتكار الدولة للعنف الشرعي عبر جيشها وأجهزتها الأمنية.
ب- محاسبة كل أشكال الفساد عبر مؤسسات مستقلة.
ج- إعادة ثقة المواطن بالدولة كمصدر للعدل والأمن والخدمات.
أما الفوضى المسلَّحة وإنتشار السلاح خارج منظومة الدولة، فقد أدَّى إلى تردّي الأمن، إنهيار المؤسسات، وإزدواجية سلطات تقوِّض سيادة الدولة نفسها.
2- السلاح خارج سلطة الدولة..
فوضى لا رابط لها..
كلّنا شاهد على ما آلت إليه الأوضاع: سلاح منتشٍ في الشوارع، ميليشيات تُمارس القوة بأسم المقاومة، وأجهزة أمنية يُشتبه بأن بعض عناصرها المتورِّطين في السلاح غير الشرعي يختبئون خلف الحصانة الطائفية..
هذه الوضعية لم تولِّد أمنًا، بل خلقت حالة من الإنفلات والتنازع على الولاءات..
نعم، الجنوب والبقاع والمناطق الأخرى بحاجة إلى حماية، لكن حماية الدولة الحقيقية لا تأتي عبر سلاح موازٍ لا يخضع لرقابة محاسبية أو قانونية..
3- الفشل المستدام..
ولماذا لا يزالون في مواقعهم..؟
الفشل في الإدارة السياسية والإقتصادية والإجتماعية أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله:
أ- إنهيار العملة الوطنية.
ب- تراجع الخدمات الأساسية.
ج- إحتجاز ودائع المواطنين في المصارف.
د- غياب العدالة والحماية الأمنية.
ومع ذلك، فإن الوجوه نفسها لا تزال تُدير السلطة، بأساليب المحاصصة والطائفية نفسها، وكأن لبنان مكان للتدوير السياسي، لا للتغيير الحقيقي..
السؤال الجدي هو: هل من يُكرِّر نفس السياسات يمكن أن ينتج دولة..؟ بالطبع لا..!
لبنان بحاجة إلى فعل إصلاحي حقيقي يرتكز على كفاءات وطنية لا على ولاءات حزبية أو مذهبية..
4- إعادة التأهيل الوطني: التربية، المحبة، والتعاون
لقد فشل هذا النموذج، ولم يعد صالحاً لقيام دولة حديثة، ولذلك فإن المطلوب ليس ترميمه، بل إستبداله بنظام يمنح الأفراد حقوقهم كمواطنين متساوين أمام القانون لا كأتباع طوائف..
5- شعبٍ موحّد..
لا طوائف متناحرة..
لبنان بحاجة إلى أن يرى المواطن نفسه..
أولًا كمواطن لبناني، لا ممثَّلًا بطائفته أو مذهبه..
فالمواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، وهي التي تُخرج الفرد من دائرة التطاحن إلى دائرة الإحترام المتبادل..
لن ننهض بإطار طائفي، بل بنظام مدني يُعزِّز المواطنة ويحترم الحرية والمساواة للجميع، بغضّ النظر عن الخلفيات الدينية أو المذهبية..
6- إصلاحات ضرورية..
لا ترقيعات مؤقتة..
لبنان بحاجة إلى إصلاحات جذرية تشمل:
أ- إلغاء إدراج الطائفة في الهوية الشخصية أو إخراج القيد الفردي والعائلي.
ب- إعتماد هوية وطنية خالصة تعكس لبنانية الفرد فقط.
ج- علمنة الدولة بشكل كامل لا أن تكون شعارًا إنتخابيًا.
د- محاسبة كل خطاب طائفي أو فتنة عبر آليات قانونية.
هـ- تهيئة بيئة سياسية مُحاسِبة تُقيِّم الأداء لا الولاء.
و- إعادة تفعيل خدمة العلم.
إن الإصلاحات التي تُبنى على أسس وطنية صلبة لا تُهزمها أي عواصف، لأنها تحمل صكّ المواطنة في مضمونها قبل شكلها.
7- لبنان فوق الجميع..
لبنان ليس مُلكًا لطائفة، ولا مشروعًا لحزب أو زعيم..
لبنان وطن لكل لبناني، يُبنى على القانون والمواطنية والمساواة..
إذا أردنا مقاومة حقيقية، فلا مكان فيها للسلاح غير الشرعي خارج الدولة، ولا مكان للسياسات التي تُكرِّس الفشل..
لبنان يحتاج إلى قانون، وليس إلى محاصصات..
لبنان يحتاج إلى عدالة..
لا إلى تعصّب..
لبنان يحتاج إلى دولة قوية..
لا دويلات داخل الدولة..
فلتكن هذه اللحظة، لحظة مصالحة مع القانون، ومع الذات الوطنية، ومع المستقبل الذي يستحقه كل لبناني.
لبنان لا يُبنى بالخطابات الطائفية، ولا بالمناكفات السياسية، ولا بتغذية العصبيات. بل يُبنى بـ:
أ- تربية وطنية جامعة تنحت في نفوس الأجيال معنى المواطنة الحقيقية.
ب- ثقافة المحبة والتعاون بين كافة مكونات المجتمع.
ج- التعليم كمعزل للمواطنة وليس كمحرِّك للأحقاد.
حين نرتقي بفكرنا وننظر إلى اللبناني كمواطن أولًا، لا كأتباع لطائفة أو زعيم، سنكون قد فتحنا بابًا واسعًا لإمكانات التغيير الحقيقي..
8- لا نريد إستبدال فاسد بفاسد..
نريد نظامًا عادلاً..
إن استبدال فاسد بآخر لا يُعدّ إصلاحًا، بل هو تدوير للفشل في عباءة جديدة..
الحل لا يكون بإستبدال الوجوه، بل بتغيير النظام السياسي من جذوره..
الموروث السياسي الطائفي والمذهبي والمناطقي هو السبب الرئيسي في إنهيار مؤسسات الدولة وأداءها، لذلك لا بد من:
أ- إلغاء الطائفية السياسية كآلية حكم تمييزية.
ب- تفكيك المحاصصة التي زادت الفساد وتعطيل أداء الدولة.
3- إنهاء الوساطة الزبائنية التي أقصت الكفاءات وأنتجت منظومة مترهِّلة وأجبرت الجيل الصاعد إلى الهجرة.
9- أخيراً، شباب لبنان:
إنتبهوا لأفعالكم..
إلى شباب وشابات لبنان وإلى كل أم وأب مسؤول، وإلى كل من يحملون الأمل ويحلمون في وطن أفضل:
راقبوا أفعالكم، فللأفعال حساب..
وراقبوا أفعال أبنائكم وتدخلوا في خصوصياتهم..
كل خطأ سيُحاسب عليه أمام القانون، ولا أحد يُستثنى من المساءلة..
لا مكان للخوف من الحقيقة ولا للهرب من المحاسبة، فإنه لا دولة تُقام بلا عدالة.









