لبنان اليوم لا يقف على حافة أزمة؛ هو يسير فوق حبلٍ مشدود فوق الجحيم.
أي خطوة غير محسوبة قد تسقط البلد دفعة واحدة، وأي اهتزاز ولو صغير قد يحوّل الانهيار من احتمال إلى واقع نهائي. في مثل هذه اللحظات، لا مكان للصدف، و الخطأ قاتل ولا قيمة للخطابات، ولا رحمة للمزايدات. السياسة هنا ليست رأيًا، بل مسؤولية مباشرة عن مصير الناس.
من هذا المنظور فقط تُقرأ زيارة نواف سلام إلى الجنوب:
لا كحدث وجداني ولا كرسالة تطمين، بل كمواجهة مع الواقع العاري: جنوب مدمّر، مجتمع منهك، دولة شبه مفلسة، وقرار حرب لم يُحاسَب عليه أحد.
لم تكن زيارة نواف سلام إلى الجنوب مادة للإنشاد أو لرفع المعنويات. لا الجنوب يحتاج ذلك، ولا اللحظة تسمح به. الزيارة، في معناها الفعلي، اختبار قاسٍ: هل ما زالت الدولة قادرة أن تقول “أنا هنا” بلا مواربة، وبلا تواطؤ لغوي، وبلا تلطيف لواقع لم يعد يقبل التجميل؟
الجنوب ليس عنوانًا رمزيًا، ولا منصة لخطابات الصمود. الجنوب اليوم ملفّ ثقيل: أمن مكسور، اقتصاد يتآكل، ناس هُجّرت ثم عادت إلى خراب بلا ضمانات، وبيوت ليست مجرد حجارة بل سنوات عمر سقطت دفعة واحدة. وفي المقابل، دولة مطالبة أن تُثبت وجودها لا بشعارات السيادة، بل بأبسط حقوق المواطنة: أمان فعلي، خدمات، طرقات، ماء وكهرباء واتصالات، مدارس ومراكز صحية، وتعويضات وإعادة إعمار لا تُدار بالمجاملات ولا تُوزّع بالمحسوبيات.
لكن الكلام عن الدولة يصبح ناقصًا، بل مخادعًا، إذا لم نقل ما يتجنّبه كثيرون: نحن لسنا فقط ضحية اعتداءات إسرائيلية مستمرة. نحن أيضًا ضحية قرار من داخلنا جرّ البلاد إلى كارثة سياسية واقتصادية وإنسانية، ثم تركها تتخبّط في نتائجها. هنا تبدأ المساءلة، وهنا يصبح الفرق واضحًا بين من “يقاتل من أجل الوطن” ومن يغتصب القتال “باسم الوطن”.
المقاتل من أجل الوطن هو من يقاتل كي يبقى الوطن واحدًا: واحدًا في القرار، واحدًا في السلم والحرب، واحدًا في المسؤولية، واحدًا في الأولويات. هو من يدرك أن البلد لا يحتمل أن يُدار بمنطق “محور” فوق منطق الدولة، ولا بمنطق “تفويض دائم” لا يمر بالمؤسسات ولا بالناس. وهو من يفهم أن السيادة ليست جملة فضفاضة، بل ترتيب صارم للمسؤوليات: من يقرر؟ من يتحمل النتائج؟ من يدفع الثمن؟ ومن يعوض على الناس؟
أما الذي يغتصب القتال “باسم الوطن” فهو من يجعل الوطن مادة استخدام. يقرر ثم يطلب من الآخرين أن يدفعوا الفاتورة. يفتح جبهة ثم يطالب الدولة أن “تلملم” الركام. يرفع السقف ثم يترك الناس تحت السقف حين يسقط. والأشد مرارة أن هذا المنطق لم يعد حتى قادرًا على تقديم رواية مقنعة: أي “نصر” هذا الذي خلّف خسائر بهذا الاتساع؟ وأي “ردع” هذا الذي لم يمنع الدمار ولا النزوح ولا الاستباحة؟ وأي “حماية” هذه التي جعلت الجنوب هدفًا مفتوحًا وأهلَه رهائن دورة لا تنتهي؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: هل اقتنع حزب الله بحجم الكارثة التي افتعلها؟ هل يعترف — ولو مرة واحدة — بأن قرار الحرب لا يُقاس بالنية ولا بالشعار، بل بالنتائج؟ وأن النتائج هنا ليست “تفصيلًا” بل مصير مجتمع كامل؟ ثم السؤال الأكثر إحراجًا: من سيدفع؟ من سيعوض؟ نحن في بلد مفلس، ودولة شبه منهارة، واقتصاد لا ينتج ما يكفي لإعادة بناء ما تهدم، ونظام مصرفي لم يُعد ودائع الناس أصلًا. فكيف سيُعاد إعمار الجنوب؟ وبأي مال؟ وعلى أي جدول زمني؟ وبأي ضمانات ألا يتكرر السيناريو؟
وهنا تظهر المرارة كما هي: أين تجد عربًا اليوم يدفعون لك تعويض حماقة ساهمت في صناعتها سياسيًا، ثم قُدمت — بوعي أو بلا وعي — ضمن سردية تخدم إيران لا لبنان؟ العرب لا يدفعون فواتير قرارات لم يُستشاروا فيها، ولا يموّلون إعادة إعمار فيما الرسالة السياسية تقول لهم عمليًا إن القرار ليس للدولة، وإن العودة إلى العلاقة التقليدية معهم يعرقلها من قاد البلاد إلى هذه الكارثة، وإن المصير مربوط بحسابات محور إقليمي. حتى الدول التي كانت تاريخيًا أكثر استعدادًا للمساعدة تسأل سؤالًا بسيطًا وقاسيًا: لماذا نعيد البناء إذا كان قرار الهدم ليس بيد الدولة؟ وكيف نمنح أموالًا لدولة لا تملك قرار السلم والحرب؟
ومن هنا يصبح لأي زيارة رسمية قيمة فقط إذا تحولت إلى بداية مسار للمسؤولية لا إلى “توازن صور”. قيمة زيارة نواف سلام لا تأتي من أنها “مجاملة للجنوب”، بل من أنها محاولة لوضع الجنوب داخل جدول الدولة: إغاثة، إعادة إعمار، تعافٍ اقتصادي واجتماعي. لكن هذا المسار لا يمكن أن يُكتب بجدية إذا بقيت المحاسبة محرّمة.
وفي هذه اللحظة بالذات، يزداد العبث الداخلي فجاجة. بدل أن تتصرف القوى السياسية بمنطق “شدّ الحبل كي لا نسقط”، نراها تهزّ الحبل، كل لأسبابه وحساباته. كان أجدى بالقوات اللبنانية وهي ممثَّلة بأربعة وزراء أن تحمي حكومتها في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى تماسك جدّي، لا أن تضعفها في التصويت على الميزانية العامة التي تعادل بأهميتها التصويت على الثقة. ما المنفعة من إظهار “تشدّد سياسي” فيما الحكومة نفسها هي الإطار الوحيد المتاح لإطلاق التمويل، وإدارة الإغاثة، وتثبيت العائدين، والبدء بالتعافي وبإعادة الإعمار؟ هل هذا وقت تسجيل النقاط أم وقت منع السقوط؟
وبالمثل، لا يحتاج القائد إلى خطابات رمزية حين يُسأل في واشنطن. الجواب الأكثر صلابة هو الأكثر بساطة: أنا عسكري أنفّذ القرار السياسي لحكومتي. في بلد تتنازعه السلطات، هذه الجملة ليست تفصيلًا؛ إنها خط دفاع أخير عن فكرة الدولة نفسها. الجيش لا يجوز أن يُستدرج إلى دور سياسي أو إلى تأويلات تُحمّل المؤسسة العسكرية ما لا تحتمل.
وفي المقابل، من غير المفيد بل من المعيب سياسيًا أن يُحشر رئيس الحكومة أو يُحمّل مسؤولية القصف حسب أبواق ممانعة، أو أن تُختلق عليه محاكمات نوايا، وهو كان في عمله السابق حين تم توقيع وقف إطلاق النار. القصف مسؤولية من يقصف. وقرار الحرب مسؤولية من قرر. والدولة مسؤوليتها أن تحمي الناس، لكن لا يجوز قلب المعادلة: يُساء من بعض الفلول إلى من يحاول إعادة الدولة إلى الجنوب فيما يبقى قرار الكارثة بلا مساءلة.
حتى الشكر المتكرر لمجلس الجنوب، والإشارة اللامعة من الرئيس إلى أن كل مؤسسات الدولة معنية، يجب أن يُفهما على هذا النحو: اعتراف بأن الدولة كانت مفتقدة أو غائبة لسنوات. والأكثر عجبًا هو محاولة إقناع البيئة وترسيخ قناعة لديها بأن مجلس الجنوب “مؤسسة خاصة” يملكها ويموّلها الثنائي، وكأن لا علاقة لمواطنيهم من ملة أخرى بتمويلها. هذه ذهنية خطيرة: تحويل مؤسسات الدولة إلى “ملكية سياسية”، ثم مطالبة الدولة بأن تأتي لتدفع الفاتورة بوصفها دولة الجميع.
الخلاصة المريرة التي لا يمكن تلطيفها: البلد لا يملك رفاه التهرب من المسؤولية. الجنوب لا يحتاج قصائد ولا عبارات “صمود”. الجنوب يحتاج دولة تُعيد تعريف السياسة على قاعدة واحدة: من يقرر يتحمل. من يفتح حربًا يقدّم للناس جوابًا عن ثمنها وتعويضها ومعناها. ومن يزعم أنه قاتل “باسم الوطن” عليه أن يجيب: أي وطن بقي حين يصبح الناس وحدهم أمام الركام؟ وأي عرب سيعوضون عن كارثة لم تُبنَ على توافق لبناني ولا على منطق دولة، بل على حسابات محور إقليمي؟
هنا فقط يصبح للزيارة معناها: لا كصورة، بل كبداية نقاش داخلي على معنى الدولة: دولة قرار، دولة مسؤولية، دولة تعاف وتعويض وإعمار، ودولة توقف دورة “نقرر وحدنا… ويدفع الجميع”.
من قرّر الحرب عليه توقع الحساب، لا امتياز الاختباء خلف “باسم الوطن”.
من دمّر الجنوب بقرارٍ مغامر داخلي و هو يعرف وحشية العدو، يتحمّل الفاتورة كاملة: سياسيًا، أخلاقيًا، ووطنيًا.
ومن يهزّ الدولة على حبلٍ مشدود، يُدان لأنه خاطر بالوطن لا لأنه دافع عنه.
من يريد دولة ليعط نواف سلام بعض الوقت. هو الفرصة التي تأتي مرة ، رغم ان امكانية الاختلاف تبقى ماثلة الا ان اضعاف حكومته او استبعاده يعني شيئا واحدا ان الطبقة السياسية لا تريد لشعبها دولة يستحقها. و لا تصادروا ورقة الامتحان منه قبل انتهاء الوقت. و الكل يعلم ان الدولة تجري انتخابات و لكن الانتخابات لا تقيم دولة.







A really good blog and me back again.