رأي حرّ

لبنان بين السلاح و الدولة: هل يصنع حزب إيران واقعًا جديدًا، أم يُدمِّر الوطن..؟

بين المقاومة والدولة..

لبنان يعيش مرحلة مفصليَّة في تاريخه الحديث:
بين القرار الوطني المستقل وبين هيمنة خطاب خارجي–داخلي يشكّل تهديدًا على سيادة الدولة، ومسار السلام مع إسرائيل، وعلاقة لبنان بالعالم العربي والدولي.

السلاح الذي لا يخضع لمرجعية الدولة، وخاصة سلاح حزب إيران، لم يأتِ للبنانيين سوى الويلات الإقتصادية، الإجتماعية، و السياسية، بينما يستمر التنظيم في القول إن قدرته العسكرية هي أساس قوة لبنان وهو ما أثبت العكس مرارًا..
في المقابل، هناك تحرّكات رسمية لبنانية نحو تفاهم وتقارب مع العالم العربي ودول كبرى لتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة بناء علاقات دبلوماسية مستقرة وطويلة المدى، بما يجعل السلام هدفًا واقعيًا وليس وصمة غريبة أو تهويدية..

1- سلاح حزب إيران، من إستفاد ومن خسر..؟

أ- لا يمكن إغفال أن سلاح حزب إيران ظلَّ عنصرًا مركزيًا في السياسة اللبنانية منذ سنوات طويلة، وقدَّم له البعض تسميات مُتعدِّدة، بعضها يرى فيه ضمانة لأمن لبنان في مواجهة إسرائيل، بينما يرى آخرون أنه نموذج عصابة مسلَّحة خارج إطار الدولة وقرارها السيادي..
الواقع يقول إن..
الشعب اللبناني عانى إقتصاديًا و أمنيًا و سياسيًا في ظل وجود سلاح غير خاضع لرقابة الدولة، ما أدَّى إلى إنسداد سياسي وعجز مؤسَّساتي مضاعف..

ب- مجموعة كبيرة من اللبنانيين ترى أن القدرة الدفاعية الحقيقية يجب أن تكون بيد الدولة، خاصة حين يكون المجتمع عالقًا بين الحرب والإصلاح..
من هنا تأتي الحاجة إلى مسار سلام حقيقي مع إسرائيل، لا يكون مبنيًا على إشتباكات مُتقطِّعة، بل على تفاهمات معها ومع الدول العربية التي تحمل مصالح لبنان في سُلَّمها، لتجنّب لبنان ما وقع فيه الفلسطينيون مع السلطة الفلسطينية: تجارة صراع دائم بدلًا من بناء دولة مستقلة وقوية..

2- أين تقف الدول الكبرى من نزع السلاح..؟
إحتمال الصدام..!

أ- من وجهة نظر بعض القوى الدولية والإقليمية، لبنان بحاجة إلى بذل مجهود أكبر في سياق تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وخاصة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي ينص بوضوح على أن “لا سلاح في لبنان إلا بيد الدولة اللبنانية”، وضرورة نزع سلاح كل الجماعات المُسلَّحة بما في ذلك حزب إيران..
ب- لكن هذا المسار ليس سهلاً، بل يمكن أن يقود إلى توتر سياسي داخلي قد يرتفع إلى صدام بين الدولة والمنظمات المُسلَّحة الرافضة لتسليم أسلحتها، ما يجعل تنفيذ القانون الدولي وقرار الأمم المتحدة أمرًا حرجًا لكن ضروريًا، رغم التحديات التي ترافقه..
ج- هذا يشكّل إختبارًا لبنانياً حقيقيًا للديمقراطية وسيادة القانون، ويضع الجميع أمام سؤال أساسي:
كما أن في الخلفية، فإن القوى الإقليمية الكبرى، وخصوصًا إيران، لها تأثير مباشر في قدرة أو عدم قدرة الحزب على تنفيذ أي قرار بهيكليته الخاصة.

د- هذه الحقيقة تُظهر أن المسألة ليست وطنية فقط، بل جزء من صراع نفوذ إقليمي أوسع، لكن في المقابل لا يمكن أن تكون ذريعة لعدم إستعادة سيادة الدولة.

3- حزب إيران يتحدَّى الدولة بوضوح..

أ- مواقف الحزب المفتوحة أحيانًا، ومنها معارضته لمبادرات تعيين ممثل مدني مثل سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني في لجنة “الميكانيزم”، تُعبِّر عن إنكار لمرجعية الدولة في سياق القرارات الوطنية العليا..

ب- هذا الرفض لا يقتصر على مُجرَّد إختلاف سياسي، بل يُمثِّل تحديًا لسلطة الدولة المدنية عبر:

1- التقليل من شأن المبادرات الرسمية التي تؤدي إلى وقف العنف.
2- وصف أي خطوة نحو الإدارة المدنية والسياسية بأسم الدفاع عن السلاح فقط.

4- هنا يبرز سؤال جوهري:
أ- هل يمكن للدولة أن تحمي سيادتها ومواطنيها حين يظل جزء من النظام السياسي يحتفظ بسلاح خارج هيكل الدولة..؟

5- المخاطر الدولية: البند السابع وتدخل شامل..

أ- إذا إستمر هذا الوضع في لبنان أي إستمرار قوة مسلحة غير خاضعة لسيادة الدولة، فإن هناك خطرًا فادحًا يتمثل في الرجوع إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة:
1- هذا البند يُجيز التدخل الدولي في حال تهديد السلم والأمن الدولي، وهو ما قد يحصل إذا إستمر التصعيد الداخلي وأضحى يشكل تهديدًا إقليميًا.
2- هل دولة المؤسسات هي من سيحكم..؟
أم أن السلاح خارج الدولة سيظل يُهيمن على إرادة الدولة ومسارها السياسي..؟

6- إيران: تتدخَّل أم لا تتدخَّل؟ والمعادلة المعكوسة..

أ- يُصرّ الحزب وحلفاؤه أحيانًا على القول أن إيران لم تتدخل في لبنان، وأن سلاح حزبها مُستقل ولا يخضع لقرار خارجي مُعيَّن..
لكن ما تُبديه الوقائع هو خلاف ذلك:

1- التوثيق الدولي يُخبر بأن حزب إيران يتلقى دعمًا لوجستيًا وعسكريًا من إيران منذ نشأته، وأن هذا الدعم كان جزءًا من إستراتيجيات إقليمية موسَّعة.
2- إيران تعتبر حزبها جزءًا من منظومة جيوسياسية أوسع تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة، وليس لاعبًا لبنانيًا محليًا محضًا.

ب- هذه المعطيات تشير إلى أن قرار حزب إيران في الإحتفاظ بالسلاح لا يمكن عزله عن سياقٍ إقليمي أوسع يحمله التوتر المتصاعد بين طهران و الغرب، بل يدور في فلكها في كثير من الأحيان..
وبالتالي فإن القول بعدم تدخل إيران في لبنان لا يتَّسق مع الحقائق التاريخية والسياسية المعروفة عن دعم إيران له منذ الثمانينات وإستثمارها في دوره داخل السياسة اللبنانية والمواجهة الإقليمية.

7- لا يستطيع حزب إيران تسليم سلاحه منفردًا..

أ- من منظور واقعي–قانوني، لا يمكن لأي مجموعة مُسلَّحة أن تُسلِّم سلاحها من دون قرار سياسي داخلي وإقليمي ذي آثار واسعة..
ب- حزب إيران جزء من منظومةٍ أوسع، وقرار التسليم الفعلي يتجاوز مُجرَّد قرار داخلي:
1- يجب أن يكون هناك قرار لبناني جامع يلتزم به الجميع على أساس الدستور وسيادة الدولة.
في مثل هذا السيناريو، قد تحدث عملية دولية واسعة تشمل نزع السلاح من كل المليشيات في لبنان وحتى الفلسطينيين، وهو ما يمكن أن يترك أثرًا واسعًا على النظام الإقليمي برمته ويُهدِّد إستمرار الأنظمة الداعمة لهذه المليشيات.

2- هذا السيناريو ليس خياليًا، بل هو نتيجة منطقية لإحتمال تطوّر الأوضاع عندما تفشل الدولة في السيطرة على أدوات القوة داخل أراضيها..

8- القرارات الرسمية: سيمون كرم ومسار السلام..

على خلفية الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية، قرر لبنان رسميًا عبر رئيس الجمهورية بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء تعيين السفير السابق سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني في إجتماعات لجنة “الميكانيزم” المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار..

هذا القرار يُعدّ:
أ- خطوة نحو إعادة تأكيد السيادة الوطنية عبر مُمثِّل مدني مؤهّل.
ب- نحو تجاوز الجمود الذي أعاق اللجنة طويلاً.
ج- خطوة نحو حماية لبنان من إحتمال تصعيد غير محسوب.
كما أشار بعض المسؤولين إلى أن هذه الخطوة لا تعني إنصياعًا لإسرائيل، بل محاولة لإحتواء التصعيد ومنع إشتعال حرب جديدة، كما أنها تمت بتنسيق لبناني وأجنبي دون تجاوز مرجعيات الدولة الشرعية.

9- دولة القانون، أم دولة السلاح..؟
لبنان اليوم في مفترق طريق:

أ- إما أن يعود إلى المرجعية الدستورية وحدها، حيث تحتكر الدولة السلاح، القرار، والسلام.
ب- أو أن يستمر في دورة الصراع التي تُدمِّر مؤسساته وتُقوِّض قدراته، وتضعه تحت تأثير أجنبي وداخلي في آن واحد.
ج- السعي نحو السلام، وفتح أبواب تفاهمات مع الدول العربية والإقليمية، وتفعيل مؤسسات الدولة في إطار القانون الدولي، هي الخيارات الوحيدة الواقعية لبقاء لبنان كدولة مُستقلَّة ذات سيادة، لا كأرض مُحتلَّة بين إرادات داخلية وخارجية.

د- لبنان يستحق أكثر من دمار السلاح.

يستحق دولة القانون، والكرامة، والسلام الدائم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى