رأي حرّ

عندما يحتكر البعض الوطنية ويمنح صكوك التخوين..

في كل مرة يُعبِّر فيها مسؤول لبناني عن موقف سيادي نابع من موقعه في الدولة، تقفز “منظومة السلاح” إلى الهجوم، وتبدأ المزايدة الوطنية والتلويح بسرديات “التحرير” و “التكفيريين”، وكأن لا أحد يملك شرعية التعبير إلا من يحمل بندقية خارج مؤسسات الدولة.

رداً على النائب حسين الحاج حسن، نقول:

حين حُرِّرت بيروت من رجس الإحتلال الإسرائيلي في العام 1982، لم تكونوا أنتم ولا حزبكم في المشهد.
لم تكن راياتكم ترفرف فوق العاصمة بيروت، ولا كنتم مِمَن نزلوا إلى الشوارع دفاعاً عن لبنان، بل كانت المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول” التي ضمَّت مقاومين شرفاء أنقياء من كل الطوائف اللبنانية دون تمييز.

هم من كانوا يواجهون الإحتلال وقتها.
هم من آمنوا بالسيادة لا بالوصاية، وبالكرامة لا بالمرجعية الخارجية.
أما التحرير في العام 2000، فليذكّرك التاريخ أن “القوات اللبنانية” كانت يومها حزباً محظوراً، منحلاً بأمر سلطات الوصاية السورية التي كنتم شركاء لها في الداخل، ولم تكن ضمن معادلة القرار أو الصمت.

وزير الخارجية يوسف رجي لم يتحدَّث بأسم حزب أو طائفة.
هو يتحدَّث بأسم الدولة اللبنانية، التي تُمثِّل كل اللبنانيين لا فئة مسلحة تعتبر نفسها “المقاومة الوحيدة”.
كلام الوزير جاء من موقعه الرسمي لا من خندق حزبي، أما أن تتهموه بأنه “يمثل القوات اللبنانية أكثر مِمَّا يُمثِّل الحكومة”، فتلك إهانة للحكومة نفسها، وللشراكة التي تدَّعونها في كل مناسبة.

هل أصبح التعبير عن سيادة الدولة “تبريراً لإسرائيل”..؟
هل أصبحت المطالبة بتحييد المؤسسات حمايةً للبنان، جريمة تستدعي التخوين..؟
أي منطق سياسي هذا الذي يُعاقب اللبنانيين على رأي، ويُبرِّر بقاء السلاح خارج الدولة على أنه عمل بطولي دائم..؟
وأين نتائج هذا السلاح سوى الخراب الإقتصادي والتهجير والعزلة الدولية..؟

أما “التكفيريون” الذين تستحضرونهم كلما ضاقت بكم الحُجَّة، فدعونا نُذكِّركم:

من ساهم بولادتهم ودعمهم وتدريبهم في سوريا و العراق كان نظام الأسد و حلفاؤه، الذين إستخدموهم كفزَّاعة لإبتزاز الداخل والخارج.
بعضهم عبر من الحدود اللبنانية بعلم غرف العمليات التي كنتم جزءاً منها.
ومن إستغل وجودهم ليُبرِّر تمدد السلاح وتوسيع دائرة نفوذه هو المشروع الإيراني الذي حول لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة.

أما منطق التنازلات الذي تحذِّرون منه، فهو ذاته الذي مارستموه فعلياً عندما قمتم بـ”تفاهمات” داخلية و خارجية لتثبيت سلاحكم خارج شرعية الدولة، لا لحماية لبنان، بل لضمان إستمرارية النفوذ الإيراني في مفاصل القرار اللبناني.

لا تخيفنا صرخات التخوين.
فقد باتت مفضوحة، ومكشوفة، ومُكرَّرة.
أنا لا أدافع هنا عن القوات اللبنانية أو غيرها من الأحزاب الوطنية بتاريخها مهما كان، ولا أحد يمنعنا من أن نقول: كفى تسلّطاً على الدولة، كفى تمثيلاً حصرياً لفكرة “المقاومة”، وكفى تحويراً للحقائق.

إذا كانت الدولة هي العدو بنظركم، فمن أنتم..؟
إذا كان التمسك بالمؤسسات خيانة، فما هي الوطنية بنظركم..؟
وإذا كان إحترام القانون والدستور إنبطاحاً، فماذا تسمّون الخضوع الكامل لسياسة الولي الفقيه..؟
كفى عبثاً بالدولة، وكفى إهانةً لذكاء اللبنانيين.
ولتعلموا أن من خالفكم الرأي ليس خائناً، بل قد يكون أكثر إخلاصاً للبنان منكم، لأنه يريد دولة لا مزرعة، وسلاحاً شرعياً لا سلاحاً حزبياً، وسِلمًا حقيقياً لا “هدنة” مؤقتة بقرار إقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى